أ.د حيدر علي الدليمي
كلية العلوم الإدارية
تُعد الموازنة العامة الأداة الرئيسة التي تعتمد عليها الحكومات في توجيه الموارد المالية نحو تحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية، إذ لا يقتصر دورها على تمويل النفقات العامة، بل يمتد ليشمل تحفيز النمو الاقتصادي، وتهيئة بيئة جاذبة للاستثمار، وتوفير فرص العمل، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي. وفي العراق، تكتسب الموازنة العامة أهمية استثنائية في ظل التحديات الاقتصادية المرتبطة بالاعتماد الكبير على الإيرادات النفطية، الأمر الذي يجعل من حسن إدارة الموارد المالية ضرورة لتحقيق التنمية المستدامة.
ويؤكد الهدف الثامن من أهداف التنمية المستدامة على أهمية تعزيز النمو الاقتصادي المطرد والشامل والمستدام، وتوفير العمل اللائق والمنتج للجميع، وهو هدف يرتبط ارتباطاً وثيقاً بكفاءة إعداد الموازنة العامة وآليات تنفيذها. فكلما اتجهت الموازنة نحو زيادة الإنفاق الاستثماري المنتج، ودعم القطاعات الاقتصادية غير النفطية، وتحفيز المشاريع الصغيرة والمتوسطة، ازدادت قدرتها على خلق فرص عمل حقيقية وتحقيق معدلات نمو أكثر استدامة.
وتواجه الموازنة العامة العراقية تحدياً يتمثل في ارتفاع نسبة الإنفاق التشغيلي مقارنة بالإنفاق الاستثماري، الأمر الذي يحد من قدرتها على إحداث تحول اقتصادي حقيقي. فالتنمية المستدامة تتطلب توجيه جزء أكبر من الموارد نحو المشاريع الإنتاجية والبنى التحتية، ودعم قطاعات الصناعة والزراعة والسياحة والتكنولوجيا، بما يسهم في تنويع مصادر الدخل الوطني وتقليل الاعتماد على النفط كمصدر رئيس للإيرادات العامة.
كما أن الاستثمار في رأس المال البشري يمثل أحد أهم المحاور التي ينبغي أن تنعكس في الموازنة العامة، من خلال زيادة الإنفاق على التعليم والتدريب المهني والتقني، وربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل، بما يعزز مهارات الشباب ويرفع قدرتهم على المنافسة، ويسهم في تقليل معدلات البطالة وتحسين جودة فرص العمل.
ومن جانب آخر، فإن تحسين بيئة الأعمال وتوفير التمويل للمشروعات الريادية والمشروعات الصغيرة والمتوسطة يمثلان ركيزة أساسية لتحقيق النمو الاقتصادي المستدام. فالموازنة العامة تستطيع أن تؤدي دوراً محورياً في دعم هذه القطاعات عبر تخصيص الموارد اللازمة، وتقديم الحوافز الاستثمارية، وتطوير البنية التحتية والخدمات الرقمية، بما يعزز النشاط الاقتصادي ويحفز القطاع الخاص على التوسع في الاستثمار والإنتاج.
ولا يمكن تحقيق أهداف التنمية الاقتصادية دون ترسيخ مبادئ الحوكمة والشفافية في إدارة المال العام، إذ تسهم الإدارة الرشيدة للموازنة في رفع كفاءة الإنفاق العام، والحد من الهدر المالي، وتعزيز ثقة المستثمرين، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على بيئة الاستثمار ويزيد من قدرة الاقتصاد الوطني على تحقيق نمو مستدام يوفر فرص عمل لائقة ومستقرة.
إن تحقيق الهدف الثامن من أهداف التنمية المستدامة في العراق يتطلب أن تتحول الموازنة العامة من أداة لتغطية النفقات الجارية إلى أداة استراتيجية للتنمية الاقتصادية، ترتكز على تنويع الاقتصاد، وتحفيز الاستثمار، وتمكين القطاع الخاص، وتطوير رأس المال البشري، بما ينسجم مع رؤية تنموية شاملة تضمن استدامة النمو وتحسين مستوى معيشة المواطنين.
وانطلاقاً من هذا الدور، تواصل كلية العلوم الإدارية في جامعة المستقبل دعم الدراسات والبحوث التي تسهم في تطوير السياسات المالية وتعزيز كفاءة إدارة الموارد العامة، بما يواكب أهداف التنمية المستدامة، ويرسخ دور المؤسسات الأكاديمية في تقديم الرؤى العلمية والحلول التطبيقية التي تسهم في بناء اقتصاد عراقي أكثر تنوعاً واستدامة.