مقالة بعنوان صناعة المعنى في عصر الخوارزميات: عندما تصبح البيانات قوة لتشكيل القيمة والتفضيلات
اعداد التدريسي : م.م علي يوسف علي المياحي
لم تعد الخوارزميات مجرد أدوات صامتة تعمل خلف شاشاتنا، ولا مجرد تعليمات رياضية تنظم تدفق البيانات وتساعد الشركات على اتخاذ قرارات أكثر سرعة ودقة. لقد أصبحت جزءًا من البنية العميقة التي يتشكل داخلها الاقتصاد والمجتمع والإنسان نفسه. فالخوارزمية اليوم لا تكتفي بأن تخبرنا بما يوجد؛ إنها تساهم، بصورة متزايدة، في تحديد ما نراه، وما نرغب فيه، وما نشتريه، وما نعتقد أنه مهم، بل وما نمنحه من معنى لحياتنا اليومية.
في الاقتصاد التقليدي، كان يُفترض أن القيمة تنشأ من تفاعل العرض والطلب، وأن المستهلك يمتلك تفضيلات سابقة نسبيًا ثم يدخل السوق ليختار بين البدائل المتاحة. أما في الاقتصاد الخوارزمي، فقد بدأ هذا التصور يتغير بصورة جوهرية. فالمنصات الرقمية لا تنتظر دائمًا أن يعبّر الإنسان عن تفضيلاته؛ إنها تتعلم من سلوكه، وتراقب أنماطه، وتتنبأ برغباته، ثم تعيد تقديم العالم إليه وفقًا لما تتوقع أنه سيجذب انتباهه. وهنا تظهر مسألة أكثر عمقًا من مجرد كفاءة السوق: هل ما نختاره يعكس رغباتنا فعلًا، أم أن البيئة الخوارزمية نفسها تشارك في صناعة هذه الرغبات؟
إن القيمة الاقتصادية لم تعد مرتبطة بالسلعة وحدها. فالانتباه أصبح موردًا اقتصاديًا، والبيانات أصبحت أصلًا استراتيجيًا، والتفضيلات أصبحت قابلة للتحليل والتنبؤ والتوجيه. ومع تطور الذكاء الاصطناعي، تنتقل الخوارزمية من دورها التقليدي كأداة لمعالجة المعلومات إلى دور أكثر تعقيدًا يتمثل في تفسير السلوك وتوقعه والتأثير فيه. وبذلك يصبح الاقتصاد أكثر ارتباطًا بما يمكن تسميته اقتصاد المعنى؛ أي ذلك المجال الذي لا تُنتج فيه القيمة من الأشياء والخدمات فحسب، وإنما من قدرة الفاعلين الاقتصاديين على تشكيل الطريقة التي يفهم بها الأفراد العالم ويمنحون من خلالها الأشياء أهميتها. وهنا تتغير طبيعة المنافسة الاقتصادية نفسها. لم تعد الشركات تتنافس فقط على إنتاج منتج أفضل أو تقديم سعر أقل، وإنما تتنافس أيضًا على احتلال مساحة في وعي المستهلك. من يظهر أمامه؟ ماذا يلفت انتباهه؟ أي منتج يصبح أكثر جاذبية؟ وأي فكرة تختفي في بحر المعلومات؟
إن الخوارزمية أصبحت وسيطًا بين الإنسان والسوق، وبين الإنسان والمعلومة، وبين الإنسان وحتى بعض جوانب ذاته. لكن التحول الأكثر أهمية قد يكون في العلاقة بين القيمة الاقتصادية والقيمة الإنسانية. فإذا كانت الخوارزميات قادرة على تحسين احتمالية الشراء أو زيادة مدة بقاء المستخدم على المنصة، فليس بالضرورة أن يعني ذلك أنها حسّنت رفاهيته أو جعلت حياته أكثر معنى. فالكفاءة الاقتصادية لا تتطابق دائمًا مع الرفاه الإنساني، وتعظيم الانتباه لا يعني بالضرورة تعظيم المعرفة، وزيادة الاستهلاك لا تعني بالضرورة زيادة السعادة.
ومن هنا تبرز مسألة اقتصادية وفلسفية في آن واحد: من يملك القدرة على صناعة المعنى يمتلك جزءًا مهمًا من القدرة على صناعة القيمة. فإذا أصبحت الخوارزميات قادرة على تحديد ما يستحق الانتباه، وما يظهر وما يختفي، وما يبدو مرغوبًا وما يبدو هامشيًا، فإن قوتها الاقتصادية لا تكمن فقط في تحليل الأسواق، بل في المساهمة في تشكيل الأسواق نفسها.
ولذلك فإن عصر الخوارزميات لا يمثل مجرد انتقال من الاقتصاد الصناعي إلى الاقتصاد الرقمي؛ إنه انتقال أعمق من اقتصاد ينتج الأشياء إلى اقتصاد يستطيع أن يشارك في إنتاج التفضيلات والمعاني والتصورات التي تمنح الأشياء قيمتها. والسؤال المستقبلي لن يكون فقط: ماذا تستطيع الخوارزميات أن تفعل؟ بل سيكون أكثر أهمية: أي نوع من الاقتصاد والمجتمع والإنسان نريد أن تساعد الخوارزميات على تشكيله؟
في نهاية المطاف، قد تكون المعركة الاقتصادية الكبرى في القرن الحادي والعشرين ليست حول امتلاك الموارد المادية فحسب، وإنما حول امتلاك القدرة على تفسير السلوك وتوجيه الانتباه وصناعة التفضيلات. وعندما تصبح الخوارزمية قادرة على التأثير فيما نعرفه، وما نريده، وما نختاره، فإن السؤال عن الخوارزميات يصبح سؤالًا عن الاقتصاد نفسه: من يصنع القيمة، ومن يحدد معناها، ومن يملك القدرة على تعريف ما يستحق أن تكون له قيمة؟