تُعدّ الممرات البيئية من الوسائل المهمة في حماية التنوع الحيوي والمحافظة على استقرار النظم البيئية، إذ تتمثل في مساحات طبيعية أو شبه طبيعية تربط بين الموائل التي تفصل بينها الطرق أو الأراضي الزراعية أو المناطق العمرانية وغيرها من الأنشطة البشرية. وتتيح هذه الممرات للكائنات الحية الانتقال بين الموائل المختلفة، مما يساعدها على الوصول إلى الغذاء والماء والمأوى، والعثور على شركاء للتكاثر، والانتقال إلى مناطق أكثر ملاءمة عند حدوث تغيرات بيئية.
تتكوّن الممرات البيئية طبيعيًا أو نتيجة التخطيط البيئي وإعادة تأهيل المناطق المتدهورة. فقد تكون عبارة عن أشرطة من الغابات تربط بين غابتين، أو نباتات طبيعية تمتد على طول الأنهار والجداول، أو أحزمة خضراء تربط بين المساحات النباتية داخل المدن. كما يمكن إنشاء جسور وأنفاق مخصصة لعبور الحيوانات فوق الطرق السريعة أو تحتها، للحد من عزل الجماعات الحيوانية وتقليل حوادث اصطدامها بالمركبات.
وتختلف طبيعة الممرات وأحجامها بحسب أنواع الكائنات المستهدفة واحتياجاتها البيئية؛ فالممر الذي يناسب الطيور قد لا يكون مناسبًا للثدييات الصغيرة أو البرمائيات، كما أن بعض الأنواع تحتاج إلى غطاء نباتي كثيف يوفر لها الحماية، في حين تعتمد أنواع أخرى على الممرات المائية أو الأراضي المفتوحة.
الممرات الحرجية: تربط بين بقع الغابات المنفصلة، وتوفر غطاءً نباتيًا للحيوانات التي تحتاج إلى الأشجار أو الشجيرات للحركة والاختباء والتغذية.
الممرات النهرية: تتمثل في الغطاء النباتي الممتد بمحاذاة الأنهار والجداول، وتوفر موائل للطيور والثدييات والبرمائيات، فضلًا عن دورها في تثبيت التربة والحد من انجرافها، والمساهمة في تحسين جودة المياه.
الجسور والأنفاق المخصصة للحياة البرية: تُنشأ في المناطق التي تقطع فيها الطرق مسارات الحيوانات الطبيعية، وتساعد على توفير معابر أكثر أمانًا، خصوصًا عندما تُصمم بما يتناسب مع سلوك الأنواع المحلية واحتياجاتها.
الممرات الخضراء الحضرية: تربط الحدائق والمساحات المزروعة داخل المدن، وقد توفر موائل للطيور والفراشات والملقحات، وتسهم في تحسين الاتصال البيئي بين المساحات الخضراء المتفرقة.
دور التخطيط البيئي في نجاح الممرات
يتطلب إنشاء الممرات البيئية دراسة طبيعة المنطقة والأنواع الموجودة فيها، وتحديد الموائل التي تحتاج إلى الربط، ومعرفة الحواجز التي تعيق حركة الكائنات الحية. ويشمل ذلك استخدام الخرائط ونظم المعلومات الجغرافية (GIS) وصور الاستشعار عن بُعد لتحديد المسارات المناسبة، إلى جانب المسوحات الميدانية التي تكشف عن أماكن وجود الحيوانات ونشاطها.
كما ينبغي اختيار النباتات المحلية الملائمة للبيئة، وتقليل مصادر الإزعاج والتلوث والأنشطة التي قد تعيق حركة الكائنات. ولا يكفي إنشاء الممر وحده لضمان نجاحه؛ إذ يجب مراقبة استخدام الحيوانات له، وتقييم تأثيره في التنوع الحيوي والتدفق الجيني، وصيانته بصورة مستمرة.
ومن المهم أيضًا الانتباه إلى أن الممرات قد تنقل بعض الأمراض أو الأنواع الغازية بين المناطق، وقد لا تحقق الفائدة المرجوة إذا كانت ضيقة جدًا أو تمر بمناطق عالية الخطورة. لذلك يعتمد نجاحها على التصميم المدروس والإدارة المستمرة، وليس على مجرد ربط المساحات الطبيعية بعضها ببعض.
الممرات البيئية والتغير المناخي
تزداد أهمية الممرات البيئية مع التغيرات المناخية، إذ قد تضطر بعض الأنواع إلى الانتقال نحو مناطق أكثر برودة أو رطوبة أو ملاءمة لاحتياجاتها. ويمكن لشبكات الموائل المترابطة أن تسهّل هذه الحركة وتزيد فرص بقاء الجماعات الحيوية، إذا توافرت لها الظروف المناسبة.
وتساعد المحافظة على الاتصال بين الموائل في تعزيز قدرة النظم البيئية على الاستجابة للتغيرات، إلا أن فعاليتها تعتمد على طبيعة الأنواع وسرعة تغير الظروف البيئية ومدى توفر الموائل الملائمة على طول المسار.
الخلاصة
تمثل الممرات البيئية إحدى الأدوات المهمة في حماية الحياة البرية والمحافظة على التنوع الحيوي، لأنها تسهم في ربط الموائل المتجزئة، وتسهيل حركة الكائنات الحية، ودعم تدفق الجينات، وتعزيز قدرة الأنواع على التكيف مع التغيرات البيئية. ويُعد دمج هذه الممرات في التخطيط العمراني والزراعي ومشروعات البنية التحتية خطوة مهمة نحو تحقيق التوازن بين التنمية البشرية وحماية الطبيعة.
إن الحفاظ على الترابط البيئي لا يعني حماية كل موطن بصورة منفردة فحسب، بل يتطلب أيضًا الاهتمام بالعلاقات والمسارات التي تربط الموائل بعضها ببعض، لضمان استمرار حركة الكائنات الحية والمحافظة على النظم البيئية للأجيال القادمة.
جامعة المستقبل الجامعة الأولى في العراق