يمر العالم المعاصر بتحولات بيئية واقتصادية متسارعة فرضت إعادة نظر جذرية في المناهج والأطر الحاكمة لتصميم الفضاءات العمرانية، مما جعل التصميم الداخلي المستدام ركيزة محورية لتخفيف الأثر البيئي وترشيد استخدام الموارد. ولا تتوقف الاستدامة في المنظور الأكاديمي عند حدود استخدام الخامات الصديقة للبيئة، بل تتعداها لتشمل تقييم دورة حياة المنتج بالكامل، والحد من الانبعاثات الكربونية، وتطبيق استراتيجيات الاقتصاد الدائري عبر إعادة التدوير وإعادة الاستخدام.
إن الاعتماد على المواد المحلية يسهم بصورة مباشرة في تقليل تكاليف النقل والخدمات اللوجستية، وهو ما يتقاطع بشكل وثيق مع علم النفس البيئي الذي يدرس العلاقات المتبادلة بين الإنسان وبيئته المبنية. وتشير الدراسات السلوكية إلى أن الفضاءات المصممة وفق معايير بيئية مدروسة يمكن أن تسهم في الحد من التوتر وتعزيز الراحة النفسية، بفضل التوازن البصري وتجنب الاكتظاظ الفراغي الذي قد يسبب الإرباك الحسي.
تُعد جودة الهواء الداخلي أحد أهم المحددات التي ينبغي أن يراعيها المصمم، إذ إن الانبعاثات الصادرة عن المركبات العضوية المتطايرة الموجودة في بعض الدهانات والمواد اللاصقة قد تؤثر سلباً في صحة المستخدمين وراحتهم. ومن هنا يبرز التوجه نحو اختيار الخامات منخفضة الانبعاثات والآمنة صحياً، إلى جانب توظيف النباتات الداخلية بوصفها عناصر طبيعية تعزز الارتباط بالطبيعة وتضفي أجواءً من الهدوء والاسترخاء، مع ضرورة مراعاة أن دورها في تحسين جودة الهواء يعتمد على نوع النبات والظروف المحيطة به.
ويمتد علم النفس البيئي إلى دراسة تأثير المقياس والنسب المعمارية في إدراك الإنسان للفضاء؛ إذ قد توفر الأسقف المرتفعة شعوراً بالاتساع وتشجع على التفكير الإبداعي والاستكشافي، في حين تمنح بعض الفضاءات ذات الأسقف المنخفضة إحساساً بالاحتواء والتركيز على المهام التفصيلية، تبعاً لطبيعة الاستخدام وخصائص المستخدمين. كما أن التباين المدروس بين الضوء والظل يخلق تجربة بصرية غنية ويحد من الرتابة، شريطة تحقيق التوازن بين المساحات الاجتماعية المشتركة والمساحات المخصصة للخصوصية الفردية.
وتقدم المواد الذكية والتكيفية حلولاً تقنية متقدمة للتحكم في درجات الحرارة والإضاءة، مما يساعد على تقليل استهلاك الطاقة اللازمة للتدفئة والتبريد، ويدعم التوجهات البيئية المستدامة. ويشكل الدمج المتوازن بين التكنولوجيا المعاصرة والعناصر الطبيعية أحد أبرز التحديات أمام مصممي اليوم، إذ يتطلب صياغة لغة تصميمية تجمع بين الأصالة والابتكار والكفاءة الوظيفية.
وفي هذا السياق، توفر أنظمة التقييم والشهادات البيئية الدولية، مثل نظام الريادة في تصميمات الطاقة والبيئة (LEED) ومعيار WELL للمباني الصحية، أطرًا لتقييم جوانب الاستدامة وجودة البيئة الداخلية وصحة المستخدمين وراحتهم. ويعزز الالتزام بهذه المعايير أهمية مراعاة الراحة الحرارية والصوتية والبصرية عند تصميم الفضاءات الداخلية.
ويُعد تدريب المصممين على مناهج التصميم المستدام وعلم النفس البيئي استثماراً استراتيجياً في مستقبل البيئة العمرانية، إذ يسهم في إعداد متخصصين قادرين على فهم العلاقة بين الإنسان والمكان، واتخاذ قرارات تصميمية تستند إلى المعرفة العلمية والمسؤولية البيئية. كما يظل البحث العلمي المستمر في خصائص المواد وأنماط السلوك الإنساني عاملاً أساسياً في تطوير هذا التخصص وتعزيز توجهاته الإنسانية.
ختاماً، يمثل التكامل بين التصميم الداخلي المستدام وعلم النفس البيئي توجهاً معاصراً نحو إنشاء فضاءات أكثر كفاءة وراحة، تستجيب لاحتياجات الإنسان النفسية والجسدية، وتحافظ على الموارد الطبيعية. فالتصميم الداخلي الناجح لا يقتصر على تشكيل صورة جمالية للمكان، بل يتجاوز ذلك إلى بناء بيئة متوازنة تحترم الإنسان وتصون موارد الأرض وتدعم جودة الحياة.
جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق .