لم تعد التكنولوجيا مجرد وسيلة نستخدمها لإنجاز أعمالنا، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من حياتنا اليومية. نقضي ساعات طويلة أمام الحاسوب، نستخدم الهاتف أثناء الجلوس أو المشي وحتى قبل النوم، ونعتمد على الأجهزة الرقمية في العمل والدراسة والترفيه. ومع هذا التغير السريع في نمط الحياة، بدأ جسم الإنسان نفسه يتكيف مع نمط جديد من الحركة يمكن وصفه بـ “الجسم الرقمي” (The Digital Body).
الجسم الرقمي ليس مرضًا أو تشخيصًا طبيًا، وإنما مفهوم يعكس التغير في سلوكنا الحركي نتيجة الاستخدام المستمر للتكنولوجيا. فالجلوس لفترات طويلة، تثبيت الرأس باتجاه شاشة الهاتف، إبقاء الكتفين في وضعية ثابتة، والحركات المتكررة للأصابع واليدين، كلها أصبحت جزءًا من الروتين اليومي للكثير من الأشخاص. ومع تكرار هذه السلوكيات لساعات طويلة، قد تظهر مشكلات مثل آلام الرقبة والكتفين والظهر، وتيبس العضلات والإرهاق العضلي.
وهنا يظهر دور العلاج الطبيعي بصورة مختلفة. فالمشكلة لم تعد دائمًا إصابة مفاجئة تحتاج إلى علاج، وإنما قد تكون نتيجة آلاف الساعات من السلوكيات اليومية المتكررة. لذلك لا ينبغي أن يقتصر دور اختصاصي العلاج الطبيعي على علاج الألم بعد ظهوره، بل يجب أن يمتد إلى الوقاية من خلال تقييم طريقة جلوس الشخص، وطبيعة استخدامه للأجهزة، وكمية الحركة التي يحصل عليها خلال يومه.
ومن المهم أيضًا أن ندرك أن المشكلة ليست في وجود “وضعية سيئة” واحدة، بل في البقاء في الوضعية نفسها لفترة طويلة. لذلك قد يكون تغيير الوضعية والحركة المتكررة أكثر أهمية من محاولة الحفاظ على وضعية مثالية طوال اليوم. فالوقوف لبضع دقائق، المشي لمسافة قصيرة، تحريك الرقبة والكتفين، أو أخذ استراحة من الشاشة يمكن أن يحول دون استمرار الحمل العضلي لفترات طويلة.
والمفارقة أن التكنولوجيا التي ساهمت في زيادة الخمول يمكن أن تصبح جزءًا من الحل. فالهواتف والساعات الذكية يمكن استخدامها لتذكير الإنسان بالحركة، متابعة النشاط البدني، أو دعم برامج التأهيل عن بُعد.
في عصر أصبحت فيه التكنولوجيا جزءًا لا يمكن فصله عن حياتنا، لا يكمن الحل في التخلي عنها، وإنما في إعادة تنظيم علاقتنا بها. وهنا يمكن للعلاج الطبيعي أن يؤدي دورًا يتجاوز علاج الألم إلى إعادة الإنسان إلى الحركة، لأن الجسم لم يُصمم ليبقى ثابتًا أمام الشاشة لساعات، بل ليتحرك ويتغير ويتفاعل مع بيئته.
قد تكون أهم نصيحة علاج طبيعي في العصر الرقمي بسيطة جدًا: لا تنتظر أن يؤلمك جسمك حتى تتحرك.
جامعة المستقبل
الجامعة الاولى في العراق .