مع اتساع التعاقد عبر المنصات الرقمية، لم يعد فسخ العقد يتطلب إنذاراً رسمياً أو دعوى قضائية في كل الأحوال. صار يتم بنقرة زر أو برسالة إلكترونية. وهذا يطرح سؤالاً جوهرياً: ما مصير الحقوق التي اكتسبها كل طرف قبل الفسخ؟
القاعدة العامة في القانون المدني أن الفسخ يزيل العقد ويعيد المتعاقدين إلى الحال التي كانا عليها قبل التعاقد، وهو ما يعرف بالأثر الرجعي. وبناءً عليه يلتزم كل طرف برد ما استلمه، فيسترد المشتري الثمن ويرد البائع المبيع. ولا يتغير هذا الأصل لمجرد أن الفسخ جرى بوسيلة إلكترونية، لأن الوسيلة لا تغير طبيعة الأثر القانوني ما دامت تستوفي شروط الص
غير أن هذا الأثر الرجعي لا يشمل كل العقود. ففي العقود الفورية، كبيع سلعة رقمية، يعمل بالأثر الرجعي كاملاً. أما العقود المستمرة، كاشتراكات الخدمات والاستضافة والبرمجيات، فالفسخ فيها يسري على المستقبل فقط. وتبقى الأقساط والخدمات المؤداة قبل الفسخ مستحقة، وتعد حقوقاً مكتسبة لا يمسها الانقضاء.
وتتأثر الحقوق المكتسبة بعدة اعتبارات يبرزها الفسخ الإلكتروني. أولها وقت إنتاج الفسخ لأثره، إذ يتحدد غالباً بلحظة وصول الإشعار الإلكتروني إلى الطرف الآخر لا بلحظة إرساله، وعليه يتوقف احتساب المهل والالتزامات. وثانيها الإثبات، فالرسائل والسجلات الرقمية تكتسب حجية متى توافر التوقيع الإلكتروني الموثوق وسلامة السجل، وتبقى لمن تضرر حقوقه في المطالبة بالتعويض عن الضرر الناشئ عن الإخلال الذي سبب الفسخ. وثالثها الشروط الجزائية، فهي تبقى نافذة إن كانت مستحقة قبل الفسخ، مع احتفاظ القضاء بسلطة تعديلها إن كانت مبالغاً فيها. ورابعها حماية المستهلك، إذ تمنحه تشريعات التجارة الإلكترونية حق العدول خلال مدة محددة دون إبداء سبب، مع استرداد ما دفعه، وهو استثناء يوازن علاقة غير متكافئة. وخامسها البيانات الشخصية، فانتهاء العقد يوجب على الطرف المتعاقد معه التوقف عن معالجتها أو حذفها، إلا ما يلزمه القانون بحفظه.