تعد الحكمة والدين من اهم الركائز التي تقوم عليها حياة الانسان , فالحكمة تنير العقل وتوجه الفكر نحو الصواب والدين يهدي الانسان الى طريق الحق والخير , ويمنحه المباديء الاخلاقية التي تساعده على التمييز بين الصواب والخطا واذا اجتمعت الحكمة مع الدين اصبح الانسان اكثر قدرة على فهم الحياة ومواحهة الصعوبات والتعامل مع الاخرين بالعدل والرحمة .لا شك في أن المتوقع من الدين الصادق أن يؤكد على اتجاه الإنسان إلى المنحى الحكيم في الحياة تبصراً وسلوكاً، لأن هذا الدين رسالة الإله الخالق للإنسان ، ولن يكون الإله الخالق ـ المتصف بالعلم والقدرة والاختيار ـ بطبيعة الحال إلا حكيماً، فهو منبع الحكمة ومصدرها، وقد خلق الإنسان مجهزاً بالعلم والقدرة والاختيار والنزوع إلى الحكمة، فلا بد أن تأتي رسالته ملائمة لصفاته ولما فطر عليه الإنسان. وقد وجدت الدين كذلك، حيث لاحظت اهتمامه بتنمية النزوع الحكيم في الإنسان من خلال حثّه على تنمية روح الحكمة في داخله وإمداده بتعاليم حكيمة تصونه عن الخطأ في هذه الحياة. والواقع أن إنباء الإنسان بالنبأين الخطيرين وهما وجود الإله المعني بالإنسان وخصائصه، وببقاء الإنسان بعد هذه الحياة مرهوناً بتبصره وسلوكه فيها قد جاء في هذا السياق، ليكون تصرف الإنسان وسلوكه ملائماً مع الحقائق المحيطة به والمهمة له، كما يعلّم الوالدان أولادهم والمعلمون تلاميذهم الحقائق التي تحيط بهم مما ينبغي اطلاعهم عليها. ففي القرآن الكريم تجد تكرّر تذكير الإنسان بأنّ هذه الحياة مبنية على سنن وقواعد تؤدي بالإنسان إلى السعادة أو العناء والشقاء، وأن الهدي الصحيح في الحياة يؤدي إلى ما تسمح به الحياة من سعادة للإنسان , كما قال تعالى: [وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ] . كما أكد القرآن الكريم على أن بعثة الرسل إنما كانت في الأصل لأجل تعليم الإنسان الحكمة . قال سبحانه: [كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ] , وقد ألهم الله سبحانه عباده الذين أرسلهم بمزيد من الحكمة كي يتأتى لهم الأداء الكفوء لهذه الرسالة الحكيمة، كما قال سبحانه عن آل إبراهيم : [فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ] , وجاء عن داود : [وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ وعن عيسى : [وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ] , وعن رسول الإسلام : [وَأَنزَلَ اللَّـهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّـهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا] , وقد دعا سبحانه الرسل إلى الدعوة إليه بالحكمة، قال تعالى: [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْـحِكْمَةِ وَالْـمَوْعِظَةِ الْـحَسَنَةِ وَجَادِلْـهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْـمُهْتَدِينَ] . وقد جاءت التشريعات الاعتقادية والسلوكية في الدين استجابةً لمقتضى الحكمة بالمنظور الأوسع ، كما قال سبحانه: [وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّـهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّـهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ] . وقال تعالى: [ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّـهِ إِلَـهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا] . وتفريعاً على ذلك: دلت النصوص على أن الإيمان بالله ورسالاته يقوّي روح الحكمة في الإنسان ـ كما نجد ذلك في العديد من الصالحين ـ وأن حكمة الإنسان المؤمن تعبّر عن قوة روح الإيمان فيه، كما أن قلة حكمته تعبّر عن خلاف ذلك، ولذلك ورد ما يفيد أن المؤمن كيّس وعاقل وأنه ينظر إلى الأمور بتبصر ولا يُلدغ من حجر مرتين. كما يتفرع عن ذلك أن لحكمة الإنسان المؤمن دخل في حسن تلقي الدين سواء في مبادئه وقيمه العامة أو في تشريعاته التي يبتني عليها، أو فيما يتعلق بتطبيق تلك المبادئ والتشريعات وتشخيص المرء لوظيفته الشخصية والأسرية والاجتماعية في ضوئها. فالحاضنة الملائمة في داخل الإنسان تجعله أكثر استعداداً لاستقبال المبادئ الحكيمة وأقدر على تطبيقها في مواردها تطبيقاً راشداً وصائباً.